assalatoimadoaddine
كتبهاامل اسماء ، في 4 يناير 2007 الساعة: 21:25 م
كبير في حياته.. كبير في شهادته
2007/1/2 الساعة 16:35 بتوقيت مكّة المكرّمة
بقلم: عبد الباري عطوان
هذا الاهتمام العربي والعالمي غير المسبوق بإعدام الرئيس العراقي صدام حسين، والطريقة الوحشية التي تم بها، يؤكدان أهمية الرجل، ومكانته البارزة، ودوره المتميز في تاريخ المنطقة العربية.
الإدارة الأمريكية وأدواتها في العراق الذين خططوا بعناية لهذا الحدث، من خلال خبراء في الإعلام والعلاقات العامة وتوجهات الرأي العام، لم يتوقعوا مثل هذه النتيجة العكسية تماما، وفوجئوا بها وبالآثار المدمرة التي يمكن أن تترتب عليها فيما هو قادم من الأيام.
صدام حسين تقدم إلي منصة الإعدام كالجبل الأشم، رافع الرأس، ممشوق القوام، مترفعاً عن الصغائر والصغار، مؤمناً بعقيدته وعروبته، مردداً شعارات العزة والكرامة، بعد أن عزز إيمانه، وأكد عليه بترديد آيات من القرآن الكريم والشهادتين، سيحسده كل الزعماء العرب، الأحياء منهم والأموات، علي هذه الشهادة المشرفة، وهذه المحبة العارمة في أوساط مئات الملايين من العرب والمسلمين في مختلف أنحاء المعمورة.
صدام حسين كان الزعيم الوحيد في تاريخ هذه الأمة الحديث الذي ذهب إلي المقصلة لأنه وطني رفض الاحتلال والاستسلام للغزو، واختار المقاومة، ولم يسبقه إلي هذا الشرف إلا رجال من أمثال عمر المختار ويوسف العظمة، تشرفت الأمة وتاريخها بنضالاتهم، وحفظتها لهم في سجلات العزة والكرامة. سارعوا بإعدامه لأنهم كانوا يخافونه حتى وهو خلف القضبان، مثلما سيظلون يخشونه وهو جثة تتواري بين حنايا تراب الوطن، فالمقارنات بين زمانه وزمانهم الدموي الفوضوي جاءت دائما لصالحه، والمطالبات بعودته لإنقاذ العراق من محنته والزمرة الفاسدة الحاقدة التي تحكمه باتت تصم آذان الاحتلال والمتواطئين معه.
أحرجهم وقزمهم بوقوفه كالرمح في قفص الاتهام، وأرعبتهم نظرات عينيه الثاقبة، وفضحتهم وطنيته وعروبته وترفعه علي التقسيمات الطائفية الكريهة التي زرعوها في عراقهم الجديد الموبوء، فقرروا التخلص منه في عجالة مربكة ومرتبكة.
شكراً لتكنولوجيا الهاتف النقال التي مكنتنا من التعرف علي الوجه البشع للطائفية البغيضة الحاكمة في عراق أمريكا، فهذا الشريط، فضح حكومة المنطقة الخضراء، ونسف كل مخططات الرقابة والتزييف لخبراء المخابرات الأمريكية وعملائهم، وقدم لنا الحقيقة عارية، دون أن يقصد صاحبه. كان مصيباً عندما التفت إليهم وقال هل هذه هي مراجلكم؟ عندما كانوا يوجهون إليه الإهانات وهو يتقدم إلي حبل المشنقة برحابة صدر وعزة نفس، مردداً القول الكريم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً .
فهل من الرجولة الهتاف بشعارات طائفية بغيضة أمام رجل، لم يكن طائفياً في أي يوم من الأيام، وحبل المشنقة يلتف حول عنقه، وستذهب روحه إلي خالقها بعد ثوان معدودة؟
هل هذه هي أخلاق الإسلام السمحاء، وهل هذه من قيم العروبة والشهامة والإباء، وهل هؤلاء هم أبناء العراق العظيم الذي وقف دائماً في وجه الغزاة علي مر التاريخ وكان سنداً لأمته وقضايا العدل في العالم بأسره؟
نأسف، ولكن لا نفاجأ، لأن بعض الحكومات العربية احتجت فقط لأن الإعدام جري تنفيذه يوم عيد الاضحي المبارك، وكأن إعدام هذا الرجل جائز ومبارك في أي يوم آخر. نأسف مرة أخري لأن معظم الزعماء العرب تواروا في قصورهم ولم يجرؤ أي منهم علي النطق بكلمة احتجاج واحدة خوفاً من أمريكا. لقد طْعنّا مرتين، في الأولي عندما شاهدنا زعيماً عربياً يساق إلي منصة الإعدام وفق عدالة طائفية حاقدة وثأرية، وفي المرة الثانية عندما لم نشاهد أحدا يعترض علي إعدامه من نادي الزعماء الذي انتمي إليه لأكثر من ثلاثين عاماً.
لعل الله أراد له خاتمة طيبة، وذكراً حسناً، عندما أوعز لأحدهم تسجيل ما أرادت أمريكا وحكومة الطوائف إخفاءه، من خلال شريط فيديو اللحظات الأخيرة، الذي أحدث نقطة تحول تاريخية ربما ستشكل تاريخ المنطقة، وطبيعة الأحداث فيها لعقود قادمة. لعل الله أراد أن يكشف مسلسل أكاذيب موفق الربيعي مستشار الأمن القومي في حكومة الاحتلال (أين هو هذا الأمن؟)، الذي خرج إلي العالم مردداً انه، أي الرئيس صدام، كان ضعيفاً منهاراً وهو في طريقه إلي ملاقاة ربه، فيأتي الشريط ليقدم لنا بالصوت والصورة أننا أمام أسد شجاع، يرفض ارتداء قناع، مثلما يرفض اخذ حبوب مهدئة عرضوها عليه، ولماذا القناع، ولماذا الحبوب فالقناع للخونة والمجرمين الذين يخجلون من خيانتهم أو جرائمهم، والحبوب المهدئة تصلح لمن لا يستطيع مواجهة التاريخ من سوء أفعاله.
الإدارة الأمريكية ارتكبت خطأ قاتلاً وكشفت عن حماقة كبري تضاف إلي حماقاتها الكثيرة في العراق عندما أعدمت هذا الرجل، بطريقة ستدفع ثمنها غالياً في المستقبل القريب. فبقاؤه كان سيفيدها أكثر بكثير من إعدامه لو كانوا يفهمون السياسة كما يجب، لأنه يمكن أن يكون ورقة لتهديد الطائفيين وإبقائهم خدماً لها ولمخططاتها، مثلما يمكن أن يكون ورقة مساومة للتهدئة مع المقاومة والقطاع العراقي العريض الذي يؤيدها. ولكنهم لا يعرفون غير الأحقاد، ولا يريدون غير إلحاق المزيد من الإذلال بالعرب والمسلمين بإعدامه.
ربما تكون الإدارة الأمريكية نجحت في أمر واحد فقط، بعلم وتخطيط أو بدو نهما، وهو تعميق الشرخ الطائفي ليس في العراق فقط وإنما في العالم الإسلامي بأسره، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يوقع نوري المالكي قرار تنفيذ الإعدام، ولم يكن من قبيل الصدفة أيضا أن توكل مهمة التنفيذ للحاقدين الطائفيين مثلما شاهدنا في شريط الفيديو. فقد اختفي الطالباني، أو هرب، ومعه كل من شاركوا في مشروع الاحتلال الأمريكي وقدموا له الغطاء الشرعي، من الطائفة الاخري. هذا الإعدام سيوجه ضربة قوية لكل جهود المصالحة الوطنية، وسيؤدي إلي تصعيد الهجمات ضد القوات الأمريكية والمتعاونين معها، وسيصب المزيد من الزيت علي نيران الحرب الأهلية المشتعلة أصلا. من نفذوا حكم الإعدام لا يريدون المصالحة، وبقاء العراق موحدا. بل يعملون لنسفها، فالتسامح، والغفران، وسعة الصدر، هي صفات أساسية غير متوفرة في هؤلاء.
صدام له سلبيات وايجابيات، ولكنه لم يقتل بسبب سلبياته، وإنما بسبب إيجابياته، وإيجابياته هي إيمانه بالوحدة العربية، والتصدي لأعداء الأمة، وبناء قاعدة صناعية وتعليمية غير مسبوقة وتحدي أمريكا، واختار المقاومة ورفض المنافي الآمنة المرفهة.
لعنة صدام ستظل تطاردهم، تطارد الأمريكان، وتطارد جلاديه من الطائفيين الحاقدين، ومثلما خرجت القاعدة من رحم الغطرسة الإسرائيلية في لبنان، والعجرفة الأمريكية في العراق، فان قاعدة صدام قد تخرج من رحم عملية الإعدام المهينة.
عن القدس العربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























